عصام الفتلاوي
عنـــــوان القصّـــة ..
:: صَــخَـب الـقـبــور ::
لم يكن يدرك قبيل لحظات متراخيات من سنيّ عمره الشوارد..أن تلكم القادمات ستذهل فواطن الخاطرات التي تركد بواعثها في سحيق الطوارف..وتشطح فوق هدير الآمال..وتسبح في مديـــــات الآفاق..فقد كان يرتع في فضاءات السكينة..ويعيش أجواء الحُـلم بين ساعات النهارات الغافية وبين خيوط اللــّيالي الصامتة..وهو بين هذا وذاك يقطن عند مقربة من مملكـة يسكن عمّـارها فــــي باطنها...بعد أن ضاق بأجسادهم سطحها..فكان جوفها المكـتض متظوراً جوعاً ومتلهفٌ لإلتهام تلك الأبدان النضرة.. ومتشوقٌ لينقضّ على هاتيك الوجوه الملساء..فكانت وليمة فاخرة الوقع..وطعاماًً لم يعهده الجياع..فتهافتت عليها طيات الثرى..وأحتضنتها قبائل من الدود الشرسة.... فـشمـخـت فـــوق أجداثهم البالية أبنية متهرئة..وأعتلت على هياكلهم أكوامٌ من التراب متناثرة هنا وهناك....مــا كــان لذلـك الجار المسكين ليغفل عن نداءات المظيف الذي لم تغلق منافذه الرحبة يوماًً..ولم يهدأ فـورا ن الصدى المنبعث من بين أطنابه.حتى بدا كمحفل يؤمّه الوافدون من دون وداع.ويركن إليه العائدون من مهرجان الصمت الرهيب..كان مستقرٌ لهم بعد طول سفر..ومهجعاً آمناً بعد مشواراً من الخوف والعناء..بادر إلى إستكشاف مغارات تلك الممالك الساكنة..وعزم على التوغل في دهاليزها الملتوية..وقد إرتدى أكثر ثيابه رونقاً..وتجلبب بأبهى مظاهر البهرج والنعيم..وإنتعل بأفضل ما يقيه حرارة الأبدان المصطفـّة بين ذرات الرمال اللا ّهبة..أخذ يتخطى في تلك البقاع الهادئة...يتبـاطـأ عـنـد هذا البناء المدوّر..ويقف قرب تلك الكومة المتصلـّبة ..ولم يكد يواصل سعيه الجريء حتى أخذ الإنهـاك منه مأخذاً.. وحام حول ساقيه الإضطراب..وتسلـّـل إلى باقي جثمانه الإعياء..فرغب أن يمنح قدميـه قسطاً من السكينة..وأن يرفد جوانحه بشيء ٍمن الإنزواء المريح.فتلفت يميناً وشمالاً. وتوغل ببصره شيئاً فشيئاً..وغرقت أوداجه في فناءات الزوايا المتشعبة..فأيقن حينها أن المكان يعجّ بحوافر مـــــن سبقـه..ولاحظ آثار الوطء المتروك..فقام بمقارنة أحجام البياضات في الأرض.....وبمـعـاينة أنامــل الأجداث قبل مغادرتها بصره الذي ترقرقت في مقله هلامات الدموع المرتجفة....حينـذاك إنتـفــض منتبهاً إلى مدى الأخطار الجسيمة التي تحيق بمصيره..وتذكر ذلـك الملجأ العجيب الذي لابد له مـن أن ينتهي إليه..فرمق في ثنايا ذلـك مخلوقة هزيلة ضعيفة..تتهادى لدى أحد مساكنها..ترتع في إحدى فوّهات الجاثمات المغلقة بأطناب الطين الرابض فوق النواصي والأقدام.لم يستغرق في الإمعان إلى تفاصيل مبتغاها..حتى حوى مرامي مقاصدها..وإدراك مداليل آمالها..أخذ يعلم شيئاً فشيئاً..أنها لــــم تعمد لترك وجبتها في تلك الحفرة المظلمة إلا ّ تحسّباً لإستقبال وافد ٍ آخــر قــد حسبتـه فـاض إلـــى روضتها..فألفاها قد خاب حدسها.. وأخطأ حسابها..فما كانت إلا ّ هنيهة..وإذا بـالـزائـر القــادم حـط ّركابه عند ساحتها... فإمتشقت ذراري طرائقها.وأحتوت صحائـف التراب المشـدود بيـن أطــــراف الظلمات المتراصة..فبان زهوها وراق إليها خاطرها الصغير..فبدت متسلـّطة ..متجبـّرة..لم تأبــــه برمقات غريمها الذي أرعبته حنكتها..وأقضـّت مضجعه معالم دهائها..فحار في تنقلاته بين تلــــك الحفر المتجاورات..فطفق ينتقي من أوسعها ملاذاً..ويتخيـّر أقلـّها رمالا.يجوب الزوايا بين الرابيات الراكدة على بعضها ليقتنص وميضاً أو بعض وميض..لم يكن يحاور ذاته المنكوبة..ولم يلحظ تلكم الخطابات القادمات من قبل سواها..حتى أستيقظ من شبكة خيالاته المجنونة..فأيقن أنه كان ينـــا دم هاتيك الحشرة التي ما فتئت تدخل إلى مسكنها حتى طلعت عليه مرّ ة أخرى ..لتذكره بما قد يتناساه أو يغـفــو تـحـت وطأة جهله.....ويسنح حـول تلابيب غفلته الجامحة...فأفاق على وقع الخطى..وإنتبه على أصوات رتيبة كان قد ألفها قبل حين من الزمن الغابر..وتناهى إلى بصره المحدود جيوشاً من خيوط الظلام الداكن..وشعر بهجوم شامل لحشود من الدود المتلهف إلى تذوق طعمه القادم من عمق الأيام السالفة..فإرتمى بين أحضان الشقوق المتآلفة.. وأعتلج فــي نفسه وداعاً يغادر ما إمتطاه في آخر عمره..فكان يبحث في باطن مملكته علـّه يقترن بما يأنسه....فلم ينفعه إدراكه..ولم تجـْـدِ فطنته..فأضحى وحيداً..غريباً..في وحشة تتقاذفه أنياب الظـلمــا ت....
العراق
عنـــــوان القصّـــة ..
:: صَــخَـب الـقـبــور ::
لم يكن يدرك قبيل لحظات متراخيات من سنيّ عمره الشوارد..أن تلكم القادمات ستذهل فواطن الخاطرات التي تركد بواعثها في سحيق الطوارف..وتشطح فوق هدير الآمال..وتسبح في مديـــــات الآفاق..فقد كان يرتع في فضاءات السكينة..ويعيش أجواء الحُـلم بين ساعات النهارات الغافية وبين خيوط اللــّيالي الصامتة..وهو بين هذا وذاك يقطن عند مقربة من مملكـة يسكن عمّـارها فــــي باطنها...بعد أن ضاق بأجسادهم سطحها..فكان جوفها المكـتض متظوراً جوعاً ومتلهفٌ لإلتهام تلك الأبدان النضرة.. ومتشوقٌ لينقضّ على هاتيك الوجوه الملساء..فكانت وليمة فاخرة الوقع..وطعاماًً لم يعهده الجياع..فتهافتت عليها طيات الثرى..وأحتضنتها قبائل من الدود الشرسة.... فـشمـخـت فـــوق أجداثهم البالية أبنية متهرئة..وأعتلت على هياكلهم أكوامٌ من التراب متناثرة هنا وهناك....مــا كــان لذلـك الجار المسكين ليغفل عن نداءات المظيف الذي لم تغلق منافذه الرحبة يوماًً..ولم يهدأ فـورا ن الصدى المنبعث من بين أطنابه.حتى بدا كمحفل يؤمّه الوافدون من دون وداع.ويركن إليه العائدون من مهرجان الصمت الرهيب..كان مستقرٌ لهم بعد طول سفر..ومهجعاً آمناً بعد مشواراً من الخوف والعناء..بادر إلى إستكشاف مغارات تلك الممالك الساكنة..وعزم على التوغل في دهاليزها الملتوية..وقد إرتدى أكثر ثيابه رونقاً..وتجلبب بأبهى مظاهر البهرج والنعيم..وإنتعل بأفضل ما يقيه حرارة الأبدان المصطفـّة بين ذرات الرمال اللا ّهبة..أخذ يتخطى في تلك البقاع الهادئة...يتبـاطـأ عـنـد هذا البناء المدوّر..ويقف قرب تلك الكومة المتصلـّبة ..ولم يكد يواصل سعيه الجريء حتى أخذ الإنهـاك منه مأخذاً.. وحام حول ساقيه الإضطراب..وتسلـّـل إلى باقي جثمانه الإعياء..فرغب أن يمنح قدميـه قسطاً من السكينة..وأن يرفد جوانحه بشيء ٍمن الإنزواء المريح.فتلفت يميناً وشمالاً. وتوغل ببصره شيئاً فشيئاً..وغرقت أوداجه في فناءات الزوايا المتشعبة..فأيقن حينها أن المكان يعجّ بحوافر مـــــن سبقـه..ولاحظ آثار الوطء المتروك..فقام بمقارنة أحجام البياضات في الأرض.....وبمـعـاينة أنامــل الأجداث قبل مغادرتها بصره الذي ترقرقت في مقله هلامات الدموع المرتجفة....حينـذاك إنتـفــض منتبهاً إلى مدى الأخطار الجسيمة التي تحيق بمصيره..وتذكر ذلـك الملجأ العجيب الذي لابد له مـن أن ينتهي إليه..فرمق في ثنايا ذلـك مخلوقة هزيلة ضعيفة..تتهادى لدى أحد مساكنها..ترتع في إحدى فوّهات الجاثمات المغلقة بأطناب الطين الرابض فوق النواصي والأقدام.لم يستغرق في الإمعان إلى تفاصيل مبتغاها..حتى حوى مرامي مقاصدها..وإدراك مداليل آمالها..أخذ يعلم شيئاً فشيئاً..أنها لــــم تعمد لترك وجبتها في تلك الحفرة المظلمة إلا ّ تحسّباً لإستقبال وافد ٍ آخــر قــد حسبتـه فـاض إلـــى روضتها..فألفاها قد خاب حدسها.. وأخطأ حسابها..فما كانت إلا ّ هنيهة..وإذا بـالـزائـر القــادم حـط ّركابه عند ساحتها... فإمتشقت ذراري طرائقها.وأحتوت صحائـف التراب المشـدود بيـن أطــــراف الظلمات المتراصة..فبان زهوها وراق إليها خاطرها الصغير..فبدت متسلـّطة ..متجبـّرة..لم تأبــــه برمقات غريمها الذي أرعبته حنكتها..وأقضـّت مضجعه معالم دهائها..فحار في تنقلاته بين تلــــك الحفر المتجاورات..فطفق ينتقي من أوسعها ملاذاً..ويتخيـّر أقلـّها رمالا.يجوب الزوايا بين الرابيات الراكدة على بعضها ليقتنص وميضاً أو بعض وميض..لم يكن يحاور ذاته المنكوبة..ولم يلحظ تلكم الخطابات القادمات من قبل سواها..حتى أستيقظ من شبكة خيالاته المجنونة..فأيقن أنه كان ينـــا دم هاتيك الحشرة التي ما فتئت تدخل إلى مسكنها حتى طلعت عليه مرّ ة أخرى ..لتذكره بما قد يتناساه أو يغـفــو تـحـت وطأة جهله.....ويسنح حـول تلابيب غفلته الجامحة...فأفاق على وقع الخطى..وإنتبه على أصوات رتيبة كان قد ألفها قبل حين من الزمن الغابر..وتناهى إلى بصره المحدود جيوشاً من خيوط الظلام الداكن..وشعر بهجوم شامل لحشود من الدود المتلهف إلى تذوق طعمه القادم من عمق الأيام السالفة..فإرتمى بين أحضان الشقوق المتآلفة.. وأعتلج فــي نفسه وداعاً يغادر ما إمتطاه في آخر عمره..فكان يبحث في باطن مملكته علـّه يقترن بما يأنسه....فلم ينفعه إدراكه..ولم تجـْـدِ فطنته..فأضحى وحيداً..غريباً..في وحشة تتقاذفه أنياب الظـلمــا ت....
العراق

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق